ابن قيم الجوزية

675

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وجوب محبة اللّه قوله : « وهذه المحبة : هي قطب هذا الشأن . وما دونها محابّ ، نادت عليها الألسن ، وادعتها الخليقة . وأوجبتها العقول » . يريد : أن مدار شأن السالكين المسافرين إلى اللّه : على هذه المحبة الثالثة . وإنما كان ذلك كذلك لخلوصها من الشوائب والعلل والأغراض وصاحبها مراد ، ومجذوب ومطلوب ، وما دونها من المحاب : فصاحبها باق مع إرادته من محبوبه . أما محبة الإحسان والأفعال : فظاهر . وأما محبة الصفات : فصاحبها مع لذة روحه ونعيم قلبه بمطالعة الصفات . فإن لذة الأرواح والعقول لا محالة في مطالعة صفات الكمال ، ونعوت الجمال . وصاحب هذه المحبة الثالثة : قد ارتقى عن هاتين الدرجتين وأخذ منه ، وعيّب عنه . وهذا مبني على أصله في كون الفناء غاية . وقد عرفته . وقوله « ونادت عليها الألسن » أي وصفتها الألسن . فأكثرت صفاتها . وتمكنت من التعبير عنها . و « ادعتها الخليقة » بخلاف الدرجة الثالثة . فإنه لا وصول لأحد إليها إلا بالحق تعالى . فهي غير كسبية . ولا تنال بسبب . فلا يمكن فيها الدعوى . فإن شأنها أجل من ذلك . قوله « وأوجبتها العقول » يريد : أن العقل يحكم بوجوبها . وهو كما قال . فإن العقول تحكم بوجوب تقديم محبة اللّه على محبة النفس والأهل والمال والولد ، وكلّ ما سواه . وكلّ من لم يحكم عقله بهذا : فلا تعبأ بعقله . فإن العقل والفطرة والشرعة والاعتبار والنظر تدعو كلها إلى محبته سبحانه ، بل إلى توحيده في المحبة . وإنما جاءت الرسل بتقرير ما في الفطر والعقول . كما قيل : هب الرسل لم تأت من عنده * ولا أخبرت عن جمال الحبيب أليس من الواجب المستحق * محبته في اللقا والمغيب ؟ فمن لم يكن عقله آمرا * بذا . ما له في الحجى من نصيب وإن العقول لتدعو إلى * محبة فاطرها من قريب أليست على ذاك مجبولة * ومفطورة لا بكسب غريب أليس الجمال حبيب القلوب * لذات الجمال ، وذات القلوب ؟ أليس جميلا يحب الجمال ؟ * تعالى إله الورى عن نسيب أما بعد ذلك إحسانه * بداع إليه لقلب المنيب ؟ أليس إذا كملا أوجبا * كمال المحبة للمستجيب ؟ فمن ذا يشابه أوصافه ؟ * تعالى إله الورى عن ضريب ومن ذا يكافىء إحسانه ؟ * فيألهه قلب عبد منيب ؟ وهذا دليل على أنه * إلى كل ذي الخلق أولى حبيب فيا منكرا ذاك واللّه أنت ع * ين الطريد وعين الحريب ويا من يحب سواه كمثل * محبته أنت عبد الصليب